/
/
( من نقطة دم .. إلى ألف محنة ومحنة )
عبارة تسربت من التلفاز إلى أذني فاستقرت في العمق .. فتمخض الشعور لحرف سكن هنا
ليس الإنسان إلا نقطةَ دمٍ، شاء الله لها أن تنبض، فإذا بها تصبح قلبًا، ثم روحًا،
ثم حكايةً كاملة تمشي على الأرض.
يخرج إلى الدنيا عاريًا من كل شيء، لا يملك سوى صرخةٍ يتيمة تشق سكون الوجود،
كأنها احتجاجه الأول على رحلةٍ لم يخترها، لكنه سيُطالَب أن يُكملها حتى آخر الطريق.
تستقبله الأيدي بالفرح، بينما تستقبله الأيام بالامتحان.
فما إن تبتسم له الحياة حتى تعلّمه أن الابتسامات ليست أوطانًا، وأن الطرق المفروشة بالورد كثيرًا
ما تُخفي تحت أكمامها أشواكًا لا تُرى. يكبر وهو يظن أن العمر يهب الإنسان ما يشتهي، حتى يدرك،
بعد أعوام، أن العمر لا يعطي أحدًا شيئًا إلا ويأخذ منه شيئًا آخر.
يتعلّم المشي، ثم يتعلّم السقوط.
ويتعلّم الكلام، ثم يكتشف أن أكثر ما يُوجع الإنسان كلماتٌ لم يجد يومًا من يفهمها.
ويتعلم الحب، ثم يكتشف أن القلوب ليست سواء؛ فمنها ما يُضيء العمر، ومنها ما يُطفئه
وهو لا يزال في أوله.
ويمضي…
وفي كل محطة يترك خلفه نسخةً من نفسه؛ طفلًا عند أول خيبة، وشابًا عند أول فراق،
ورجلًا عند أول انكسار، وشيخًا عند أول شعور بأن السنوات لم تكن سوى ضيوفٍ
مرّوا مسرعين، وأخذوا معهم من ملامحه أكثر مما تركوا.
ما أعجب هذا الكائن!
يضحك، وفي صدره بحرٌ من الغرقى.
ويبتسم، بينما في داخله مدنٌ كاملة تهدمت ولم يسمع بانهيارها أحد.
ويصافح الناس بكل دفء، بينما أصابع قلبه ترتجف من برد الخذلان.
كم من إنسانٍ رآه الناس قويًا، ولم يعلموا أنه كان يقضي لياليه يُرمّم شقوق روحه كي لا يراها أحد.
وكم من وجهٍ أشرق بينهم، بينما كانت خلف ملامحه شمسٌ تنطفئ ببطء.
إن الإنسان لا يشيخ حين يبيض شعره، بل حين يموت داخله شيءٌ كان يؤمن به، فلا يعود كما كان.
يشيخ حين يفقد دهشته الأولى، حين تصبح الأحلام حسابات، والورود تفاصيل،
والأصدقاء ذكريات، والرسائل صمتًا طويلًا.
ثم تأتي المحن…
لا لتسأله إن كان مستعدًا، بل لتخبره أن الاستعداد وهم.
تأتيه في هيئة فقدٍ يقتلع قلبه من بين ضلوعه.
وفي هيئة خيبةٍ ممن ظنهم سندًا.
وفي هيئة مرضٍ يعلّمه أن الجسد الذي طالما تباهى بقوته ليس إلا بيتًا من طين، تهزه نفخة ريح.
وفي هيئة انتظارٍ طويل، يذوب فيه العمر قطرةً قطرة، كما يذوب الشمع وهو يمنح الآخرين نورًا.
وحين يظن أنه بلغ آخر الألم، يكتشف أن للحياة أبوابًا أخرى من الامتحان لم يطرقها بعد.
ومع ذلك… ينهض.
ليس لأنه لا يتعب، بل لأنه خُلق وفي قلبه قبسٌ من الرجاء، كلما أوشكت العواصف
أن تطفئه، أضاء من جديد.
ولعل أعظم معجزات الإنسان أنه لا يعيش بالأجوبة، بل بالأمل.
فالأمل هو اليد الخفية التي تلتقطه كلما أوشك أن يهوي، وهو الجسر الذي يعبر به فوق أنهار اليأس،
وهو الصوت الذي يهمس في أعماقه: ما بقي من الطريق يستحق أن يُمشى.
ثم تمضي السنون…
ويجلس الإنسان ذات مساء، يفتش في دفاتر عمره، فلا يجد أنقى من لحظاتٍ أحب فيها بصدق،
ولا أثمن من دمعةٍ مسحها عن وجه حزين، ولا أبقى من أثرٍ تركه في قلب إنسان.
عندها فقط، يفهم الحقيقة التي غفل عنها طويلًا…
أن الدنيا لم تكن دار إقامة، بل دار عبور.
وأن الأعمار لا تُقاس بعدد السنوات، بل بعدد القلوب التي أشرقتها أرواحنا،
وعدد الأرواح التي داويناها ونحن نتألم.
ثم يحين الموعد الذي لا يتأخر.
فتسكن الضلوع بعد اضطرابها الطويل، وتغلق العينان اللتان طالما أرهقهما الانتظار،
ويصمت القلب الذي ظل يعزف لحن الحياة منذ أول نبضة.
ويرحل الإنسان… كما جاء.
لا يحمل من الأرض سوى عمله، ولا من الناس سوى دعواتهم، ولا من العمر سوى أثره.
وهناك، عند آخر صفحة من كتاب الحياة، يتجلى المعنى كله في عبارةٍ واحدة:
الإنسان نقطةُ دمٍ… وألفُ محنة.
غير أن قيمته لم تكن يومًا في ضآلة أصله، ولا في كثرة ما ابتُلي به،
وإنما في تلك الروح العجيبة التي ظلّت، رغم كل ما انكسر فيها، تعرف
كيف تُحب، وكيف تغفر، وكيف تُنبت في صحراء الألم زهرةً لا تراها إلا السماء
الـــمُــنى
![Kn7[1]](images/smilies/kn7[1].gif)