//
للكون مواعيده الخفية ..
هناك حفلات زواج في كل مكان؛ في السماء والأرض، في الأشياء التي نراها،
وفي أشياء تحدث كل يوم دون أن ينتبه إليها أحد.
فالصباح، في حقيقته، حفل زواج بين الضوء والعتمة.
يقف الليل قليلًا عند حافة الفجر، كأنه يسلّم ما تبقى من سواده إلى النهار،
ثم يمضي دون ضجيج. لا موسيقى، لا مدعوون، ولا أحد يصفق؛ فقط شمس تطل من بعيد،
وعالم يولد من جديد.
وفي السماء حفلات أخرى.
تتزوج الغيمة من الريح، فتسافر.
ويتزوج المطر من التراب، فتفوح رائحة الأرض
كأنها زغاريد قديمة تعرفها الروح قبل أن يعرفها الأنف.
ويلتقي الضوء بالماء، فيولد قوس قزح؛ طفلًا ملونًا من أبوين لا يشبه أحدهما الآخر.
حتى البحر له زواجه الذي لا ينتهي.
كل موجة تأتي إلى الشاطئ كعاشق قطع مسافة طويلة، تلامس الرمل للحظة، ثم تعود.
والغريب أنها تعرف أنها ستعود، ومع ذلك تأتي في كل مرة بالشوق نفسه.
والأشجار أيضًا تعرف سر اللقاء.
تمد جذورها عميقًا في الأرض، وترفع أغصانها عاليًا إلى السماء؛
كأنها تعقد مصالحة أبدية بين جهتين لم تلتقيا قط. تأخذ من التراب ماءه،
ومن الشمس نورها، ثم تصنع بينهما ثمرة.
أليس ذلك زواجًا؟
ربما نحن الذين ضيّقنا معنى الأشياء حين منحناها أسماء صغيرة.
فالكون كله قائم على اللقاء.
لا حياة تنشأ من الواحد وحده.
البذرة تحتاج إلى التراب، والتراب ينتظر المطر، والمطر تحمله الغيمة،
والغيمة تسوقها الريح، والريح يولدها اختلاف لا نراه. سلسلة طويلة من اللقاءات،
كل واحد منها يمد يده إلى الآخر ليكتمل شيء ما في مكان آخر.
أما الإنسان، فأعقد هذه الحفلات جميعًا.
لأنه لا يبحث طوال حياته عن شخص فحسب؛ بل يبحث عمّا يلتقي به فيكتمل معناه.
يتزوج الحلم بالإرادة، فيولد الإنجاز.
ويتزوج الألم بالصبر، فتولد الحكمة.
وتتزوج المعرفة بالتجربة، فيولد النضج.
ويلتقي الفشل بالمحاولة مرة أخرى، فيولد ذلك الإنسان الذي لم يكن ليولد
لو أن الحياة استجابت له من المرة الأولى.
حتى الحزن،
ذلك الضيف الثقيل الذي نتمنى لو لم يطرق أبوابنا، حين يلتقي بالزمن
يحدث بينهما شيء غريب؛ لا يختفي الحزن تمامًا، لكنه يتحول. يصبح فهمًا أعمق للحياة،
ورحمةً أكبر بالآخرين، وهدوءًا لم يكن فينا من قبل.
كأن بعض الزيجات لا تُقام لكي نفرح، بل لكي ننضج.
وفي داخل كل إنسان حفلات لا يراها أحد.
لحظة يصالح فيها نفسه بعد سنوات من الخصام.
لحظة يتزوج فيها ما كان يتمناه بما صار قادرًا على قبوله.
لحظة يلتقي فيها الإنسان بعمره الحقيقي، فيتوقف عن مطاردة ما لا يشبهه.
ولحظة نادرة، جميلة، لا تحدث للجميع بالسهولة نفسها: أن يلتقي المرء
بنفسه كما هي، لا كما أرادها الناس أن تكون.
ولعل أجمل زواج في حياة الإنسان
ليس ذلك الذي تشهده القاعات وتضاء له الثريات،
بل ذلك الذي يحدث في أعماقه حين يتزوج قلبه بعقله دون أن يهزم أحدهما الآخر.
حين يحب دون أن يفقد بصيرته، ويفكر دون أن يفقد إنسانيته.
وحين يتصالح ما كانه مع ما أصبحه.
عندها فقط يشعر بشيء يشبه الوصول.
لكن حتى الوصول ليس نهاية.
فكل مساء يتزوج الضوء بالغياب، ويولد الليل.
وكل ليل يضع رأسه على كتف الفجر، فيولد الصباح.
وكل خريف يسلم أوراقه للأرض كي تتعلم الأشجار من جديد معنى البدء.
وهكذا يمضي الكون؛ لا يعيش بالأشياء منفردة، بل بما يحدث بينها.
وربما نحن أيضًا لا نصبح بشرًا كاملين بما نملك، بل بما نلتقي به في الطريق: إ
نسان يغير شيئًا فينا، كلمة تصل في وقتها، خسارة تعيد ترتيب أرواحنا،
حب يجعل العالم أقل وحشة، أو يد تمتد إلينا في لحظة كنا نظن فيها أن لا أحد يرانا.
لهذا، حين تنظر إلى السماء مرة أخرى، لا تقل إنها فارغة.
هناك غيمة تعانق ريحًا، ونجم يسلم ضوءه لعين ساهرة، وفجر ينتظر موعده مع الأرض.
وحين تمشي فوق التراب، تذكّر أن تحت قدميك بذورًا تعقد قرانها سرًا على المطر.
هناك حفلات زواج في كل مكان.
بعضها نرتدي له أجمل الثياب،
وبعضها ترتدي له الحياة أجمل معانيها.
أما أعظمها،
فربما يحدث يوم يلتقي الإنسان بالمعنى الذي عاش عمره كله يبحث عنه…
فيكتشف أن الرحلة الطويلة لم تكن بحثًا عن شيء بعيد،
بل كانت طريقًا كي يلتقي، أخيرًا، بنفسه
![Hurt[1]](images/smilies/hurt[1].gif)